الرئيسية / الشيعة والتشيع / دفع شبهة عدم تحقق دعاء النبي “اللهم انصر من نصره”

دفع شبهة عدم تحقق دعاء النبي “اللهم انصر من نصره”

بسم الله الرحمن الرحيم

دفع شبهة عدم تحقق دعاء النبي “اللهم انصر من نصره”

لعل أول من أورد هذه الشبهة على أمير المؤمنين عليه السلام هو الناصبي صاحب منهاج السنة ابن تيمية  فقال: من قال أن حرب علي كحرب الرسول فأن الحديث حربك حربي وسلمك سلمي كذب ولو كان حربه كحرب الرسول والله تعالى قد تكفل بنصر رسوله كما في قوله  (انا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) وكما في قوله (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم المنصورون وأن جندنا لهم الغالبون) لوجب أن يغلب محارب رسول الله -صلى الله عليه وآله- ولم يكن الأمر كذلك بل الخوارج لما أمر النبي – صلى الله عليه وآله – بقتالهم وكانوا من جنس المحاربين لله ورسوله انتصر عليهم فلو كانت محاربته كمحاربة الرسول لكان المنتصر في آخر الأمر هو ولم يكن الأمر كذلك بل كان آخر الأمر يطلب مسالمة معاوية

(منهاج السنة 2: 233)

وهذا يدل على جهلة بالتفسير كما سنبين أقوال المفسرين في الآية, بل يدل على عماه لأن الآية تنص على أن الله تعالى ينصر الذين آمنوا كما ينصر المرسلين وعلي من الذين آمنوا قطعاً إلا أن يخرجه ابن تيمية وهذا يدل على نصبه.

وكذلك يدل على جهله بالتاريخ فإن علياً صلوات الله عليه انتصر في النهروان على الخوارج كما انتصر في الجمل وكذلك انتصر في صفين حتى هم معاوية بالهرب وتدكدكت صفوف أهل الشام لولا رفعهم المصاحف خدعة, فأمير المؤمنين لم ينهزم في حرب قط .

ونقول:

أولاً: إن المراد بالنصر في قول رسول الله صلى الله عليه وآله هو المعنى الشامل لكل مصاديق النصر كما في قوله تعالى (انا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) (غافر:51) ولا يراد منه النصرة بالغلبة في الميدان وإن كان أحد مصاديقه .

وقد اتفق المفسرون على أن للنصر وجوه منها النصر باعلاء الحجة ومنها بالانتقام من أعدائهم ومنها بالغلبة.

قال القرطبي: ونصرهم بأعلاء الحجج وافلاحها في قول أبي العالية وقيل: بالانتقام من أعدائهم, قال السدي: ما قتل قوم قط نبياً أو قوماً من دعاة الحق من المؤمنين إلا بعث الله عز وجل من ينتقم لهم فصاروا منصورين فيها وإن قتلوا (تفسير القرطبي: 15: 322).

وقد أوررد الرازي سبعة وجوه للنصر  (تفسير الرازي 27: 76).

 قال :

” واعلم أن نصرة الله المحقين تحصل بوجوه ( أحدها ) النصرة بالحجة, وقد سمى الله الحجة سلطاناً في غير موضع. وهذه النصرة عامة للمحقين أجمع, ونعم ما سمى الله النصرة سلطانا, لأن  السلطنة في الدنيا قد تبطل, وقد تتبدل بالفقر والذلة والحاجة والفتور, أما السلطنة الحاصلة بالحجة فإنها تبقى أبد الآباد ويمتنع تطرق الخلل والفتور إليها. (وثانهيا) أنهم منصورون بالمدح والتعظيم, فإن الظلمة وإن قهروا شخصا من المحقين إلا أنهم لا يقدرون على إسقاط مدحه عن ألسنة الناس (وثالثها) أنهم منصورون بسبب أن بواطنهم مملوءة من أنوار الحجة وقوة اليقين, فإنهم إنما ينظرون إلى الظلمة والجهال كما تنظر ملائكة السموات إلى أخس الأشياء (ورابعها) أن المبطلين وإن كان يتفق لهم أن يحصل لهم استيلاء على المحقين ففي الغالب أن ذلك لا يدوم بل يكشف للناس أن ذلك كان أمرا وقع على خلاف الواجب ونقيض الحق (وخامسها) أن المحق إن اتفق له أن وقع في نوع من أنواع المحذور فذلك يكون سببا لمزيد ثوابه وتعظيم درجاته (وسادسها) أن الظلمة والمبطلين كما يموتون تموت آثارهم ولا يبقى لهم في الدنيا أثر ولا خبر. وأما المحقون فإن آثارهم باقية على وجه الدهر والناس بهم يقتدون في أعمال البر والخير ولمحنهم يتركون فهذا كله من أنواع مصرة الله للمحقين في الدنيا (وسابعها) أنه تعالى قد ينتقم للأنيبياء والأولياء بعد موتهم, كما نصر يحيى بن زكريا فإنه لما قتل قتل به سبعون ألفاً, وأما نصرته إياهم في الآخرة فذلك بإعلاء درجاتهم في مراتب الثواب وكونهم مصاحبين لأنبياء الله كما قال ( فأولئك مع الذين أنعم عليهم من النمبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا).   (تفسير الرازي 27: 76).

وجاء في فيض القدير للمناوي نقلاً عن الراغب: والنصر من الله معونة الأنبياء والأولياء وصالحي العباد بما يؤدي إلى صلاحهم عاجلاً او آجلاً وذلك تارة يكون من خارج بمن يقيضه الله فيعينه وتارة من داخل بأن يقوي قلب الأنبياء أو الأولياء أو يلقي الرعب في قلوب الأعداء (فيض القدير 2: 143)

وقال الزمخشري: يعني أنه يغلبهم في الدارين جميعاً بالحجة والظفر على مخالفيهم وإن غلبوا في الدنيا في بعض الاحايين امتحاناً من الله فالعاقبة لهم, ويتيح الله من يقتص من أعدائهم ولو بعد حين (الكشاف 3: 431)

وقال الطبرسي: أي ننصرهم بوجوه النصر فإن النصر قد يكون بالحجة ويكون أيضاً بالغلبة في المحاربة وذلك بحسب ما تقتضيه الحكمة ويعلمه سبحانه من المصلحة ويكون أيضاً بالألطاف والتأييد وتقوية القلب ويكون باهلاك العدو وكل هذا قد كان للأنبياء والمؤمنين من قبل الله تعالى فهم منصورون بالحجة على من خالفهم وقد نصروا أيضاً بالقهر على من ناوأهم وقد نصروا باهلاك عدوهم وإنجائهم مع من آمن معهم وقد يكون النصر بالانتقام لهم كما نصر يحيى بن زكريا لما قتل حين قتل به سبعون الفا فهم لا محالة منصورون في الدنيا بأحد هذه الوجوه (مجمع البيان 8: 448)

وقد أجاب الشيخ المفيد عن هذا الإشكال بقوله: أن النصر من الله تعالى يكون على ضربين: أحدهما إقامة الحجة وإيضاح البرهان على قول الحق وذلك أوكد الألطاف في الدعاء إلى إتباع الحق وهو النصر الحقيقي قال الله تعالى (انا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) وقال جل اسمه (كتب ألله لأغلبن أنا ورسلي أن الله قوي عزيز) فالغلبة ههنا بالحجة خاصة وما يكون من الانتصار في العاقبة لوجود كثير من رسله قد قهرهم الظالمون وسفك دمائهم المبطلون .

والضرب الثاني تثبيث نفوس المؤمنين في الحروب وعند لقاء الخصوم وإنزال السكينة عليهم وتوهين أمر أعدائهم وإلقاء الرعب في قلوبهم والزام الخوف والجزع أنفسهم ومنه الإمداد بالملائكة وغيرهم من الناصرين بما يبعثهم إليه من ألطافه وأسباب توفيقاته على ما اقتضته العقول ودل عليه الكتاب المسطور (أوائل المقالات: 115)

وقال أيضاً في جواب من سأله عن أن الحسين بن علي عليهما السلام قتل مظلوماً فلم ينصره أحد, قال: إن الله تعالى وعد رسله والمؤمنين في الدنيا والآخرة بالنصر فأنجز وعده في الدنيا ومنجز لهم وعده في الآخرة وليس النصر الذي وعدهم به في الدنيا هو الدولة الدنيوية والإظفار لهم بخصومهم والتهليك لهم اياهم بالغلبة بالسيف والقهر به وإنما هو ضمان لهم بالحجج البينات والبراهين القاهرات وقد فعل سبحانه ذلك فأيد الأنبياء والرسل والحجج من بعدهم بالآيات المعجزات وأظهرهم على أعدائهم بالحجج البالغات وخذل أعدائهم بالكشف عما اعتمدوه من الشبهات وفضحهم بذلك وكشف سرائرهم وأبدى منهم العورات وكذلك حال المؤمنين في النصر العاجل إذ هم مؤيدون في الدنيا بالبينات وأعدائهم مخذولون بالإلتجاء إلى الشبهات (المسائل العكبرية: 72)

والحمد لله رب العالمين

Share on Facebook

عن قاهر النواصب

اضف رد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أصول الحديث عند الشيعة الإمامية

بسم الله الرحمن الرحيم تطبيق أندرويد أصول الحديث عند الشيعة الإمامية أعزهم ...