الرئيسية / من أنوار آل محمد / هل ولد يسوع المسيح في كربلاء؟ – إيزابيل بنيامين

هل ولد يسوع المسيح في كربلاء؟ – إيزابيل بنيامين

بسم الله الرحمن الرحيم

 

هل ولد يسوع المسيح في كربلاء؟

الكاتبة والباحثة اللاهوتية إيزابيل بنيامين ماما آشوري

لم تكن بيت لحم موجودة على الخارطة في أورشليم عندما ولد يسوع (1)، وإنما كان هناك مدينة أخرى اسمها بيت لحم تقع في لبنان أما بيت لحم التي يزعمون أن يسوع ولد فيها فقد ولدت بعد قرون طويلة من ميلاد يسوع المسيح ومن هنا فقد حامت الشبهات حول مكان ولادة يسوع. حتى أن اثنين من كتبة الاناجيل وهما مرقس ويوحنا لم يذكرا شيئا عن ولادة يسوع وطفولته وتجاوزا ذلك وهذا ملفت للنظر حقا، إن مرقس (واضع الإنجيل الأول) ويوحنا مع شهرة إنجيله لا يذكران اي كلمة عن ميلاد المسيح، لا عن مكان ولادته ولا عن احداث طفولته؟! فالاثنان يبدآن إنجيلهما بسيرته بعد بعثته مباشرة متجاهلين كل ماضيه ، وكانهما شعرا ان في ولادة يسوع امرا مريبا.
فبيت لحم التي يزعمون ان يسوع ولد فيها لم تكن موجودة ولا يعرف احد لماذا اقحم يسوع فيها فقد جاء في الكتاب المقدس نفسه ما يُفند ذلك حيث يقول : ((وتنتهي حدود أرض زبولون (في الجليل إلى الشرق من جبل الكرمل) الى وادي يفتح إيل وقطة ونهلال وشمعون ويرألة وبيت لحم)) وجاء في التعليق على عبارة ( بيت لحم) هذه، الشرح التالي، بالحرف الواحد : هي غير بيت لحم التي في يهوذا، وكانت في الجليل الاسفل)). (2)
من هذا المنطلق ونظرا لقوة الشبهات انطلق الأب يوسف باحثا عن الحقيقة وبعد سنوات توصل إلى أن يسوع لم يولد في فلسطين بل في مكان آخر وألف كتابا اطلق عليه : ((المسيح ولد في لبنان لا في اليهودية)) (3) اعتمد فيه على الجغرافيا التي ترد في التوراة ولكن مؤلف الكتاب وقع تحت تأثير النبوءة المتعلقة بمجيء نبي لليهود من اليهودية ولما لم يجد مكانا في فلسطين كلها باسم بيت لحم عمد إلى اقحام ولادة يسوع في الجليل الأسفل منطقة بيت لحم اللبنانية وهو معذور لكون النبوءة اسرته فلم تعطه مجالا للتحرك . ولكن الذي يُفند قوله هو أن بيت لحم اللبنانية لا يوجد فيها نخيل بل أن المعروف عن لبنان ان شجره هو الأرز.
إذن أين ولد يسوع ؟ (4)
هذا هو السؤال الذي أرق الجميع وجعل كتبة الأناجيل يتخبطون وقد جرت محاولات حديثة وعلى ضوء الأدوات والتقنيات التي وفرها العلم تصوير فلم عن ولادة يسوع وأوصت الكنيسة توخي الدقة في ذلك، ففي سنة 1999 وبعد دراسات مستفيضة توصل الجميع إلى ان يسوع ولد في لبنان وطلبت احد المؤسسات التلفزيونية من الأب يوسف يمّين تسجيل حلقة خاصة حول ولادة يسوع انطلاقا من كتابه آنف الذكر. وقد تم تصوير مرحلتين من الحلقة التلفزيونية ولم يبق سوى المرحلة الثالثة من الفلم ولكن تم إيقاف الفلم نهائيا، وقد عُرف فيما بعد أن صاحب النيافة والغبطة مار نصر الله بطرس صفير الكلي طوبي اتصل تلفونيا واوقف البث. علما ان صاحب النيافة قد وقع تأييدا لأصل الرواية التي كتبها الاب يوسف حول مكان ولادة يسوع.
انطلق صاحب النيافة في منعه للفلم لكونه مخالفا لنص الإنجيل الذي يزعم أن يسوع ولد في بيت لحم اليهودية . بينما الفلم والكتاب يقولان بأن يسوع ولد في بيت لحم اللبنانية. ولكن صاحب النيافة والغبطة وقع في خطأ تاريخي آخر مفاده أن بيت لحم اليهودية لم تكن موجودة في زمن ولادة يسوع بل تم تأسيسها بعد ولادة يسوع بأكثر من ثلاثمائة عام. وهنا تكمن مشكلة كبيرة وهي أن هذا الفلم سوف يؤدي إلى كشف زيف ما جاء في الاناجيل الحالية. ويُبرر لمرقس ويوحنا عملية تغاضيهما عن ذكر ولادة يسوع ونسفها من جذورها.
الحقيقة هي أن اول من اسس فكرة ولادة يسوع في بيت لحم اليهودية هو الملك قسطنطين الكبير الذي انتصر على مكسانس قرب روما عام ( 312) وسمح للمسيحيين ان يتعبدوا بكامل حريتهم ثم ازال جميع التماثيل الوثنية من الأراضي التي تخضع لسلطانه. وفي سنة (330) أمر ببناء كنيسة كبيرة في بيت لحم اليهودية، فوق المغارة التي قيل له إن يسوع ولد فيها.وقد اخذ قسطنطين بأقوال المسيحيين المتهودين اتباع كنيسة الختان وكذلك اخذ بأقوال بعض النساء التقيّات واعتمادا على التفسيرات الشعبية السطحية التي يرويها العامة وهذا الفعل من قسطنين مخالف أيضا للانجيل الذي يقول بأن يسوع ولد في باحة فندق وليس مغارة. (5)
ولكن إذا خفي مكان ولادة يسوع في الانجيل واحتار الآباء المقدسون في ذلك ، فإن هناك ملاحق الكتب المقدسة لا بل ان بعض الكتب المقدسة ذكرت اشياء مخالفة لما موجود في هذه الاناجيل الحالية . فقد كتب الأب المقدس انطوان بطرس شيخو وهي التفاتة منه جدا مهمة حيث انه كتبها مقتبسا إياها من كتاب مقدس قديم فقال في معرض بحثه عن مكان ولادة يسوع : (( وكان لما اقترب يومها لتضع بكت وتألمت وصاحت من يغطي لي عاري . فقال لها الملك انظري قدامك ماذا ترين ؟ قالت أرى نخلا كثيرا حوله رمال بيضاء كثيرة قال اما انك سوف تضعيه هناك على تلك الرمال البيضاء لأنك نقية مثلها وأما أنا فساقبض من الرملة البيضاء لأودعها عند الأمين حتى يوم مجيئه . مباركة هي الامة به وأن ابنك سوف يكون سيفا بيد ابنه ليسودا على العالم لأنه هكذا مكتوب منذ البدء يكونا معا في نهاية الازمنة )).
فقد اصطحب الملك روح القدس القديسة مريم إلى مكان آمن لتضع فيه بعيدا عن انظار القيصر واليهود. ومن مواصفاة هذا المكان أن رماله بيضاء نقيّة.القديسة مريم هربت من الأرض التي فيها اليهود لأن هؤلاء يرجمون الزانية بلا رحمة ومريم لم يكن لها زوج فبماذا تُفسر لهم حملها من دون زوج واليهود ادمغتهم ناشفة ؟ وهم الذين قتلوا الانبياء من دون سبب. ولذلك كانت أورشليم منطقة تعج باليهود ولذلك اقتضت الحكمة ان تهرب إلى مكان قصي بعيدا شرقي لكي تضع حملها ثم تأتي به فيتكلم نيابة عنها وعندها يُلجم اليهود فلا يستطيعون ان يفعلوا شيئا لأنهم يرون انفسهم امام معجزة كبيرة لا تستوعبها عقولهم وتكون دليل صدق لمريم ووليدها الذي سوف يُبعث بينهم ..(6)
النصوص الآرامية القديمة تدفعك إلى تصديق ما يزعمه البعض من أن يسوع ولد في كربلاء مثلا مع توفر كم لا بأس به من الروايات عندهم تعضد مزاعمهم هذه وهي روايات صحيحة السند. يضاف إلى ذلك ان هناك امر مهم جدا غفل عنه المؤرخون وهو أن هذا الطفل مطلوب من قبل القيصر الذي كان يقتل كل طفل يولد كما اخبره المنجمون والقيصر هذا قتل اطفال مدينة بكاملها من عمر سنتين فما دون (7) ولذلك اقتضت الضرورة ان تهرب القديسة مريم إلى ارض خارج سيطرة القيصر فقد كانت مصر ولبنان وسوريا وفلسطين وجزء من تركيا وقبرص وشرق الاردن كله من ضمن املاك الدولة الرومانية ويد القيصر مبسوطة عليها وهو يبحث ليل نهار عن هذا الطفل الذي سوف يولد ، فليس من الممكن ان تهرب مريم إلى هذه المناطق وهي تعرف عظيم الخطر الذي يَحيق بوليدها .. واما اختيارها للعراق فسبب وقوعه تحت سيطرة الدولة الفارسية وهي المنطقة الممتدة من بغداد المدائن وإلى الجنوب كله وجزء من الخليج يقع ضمن ادارة الدولة الفارسية والدولة الرومانية لا تجرو على الذهاب إلى هناك والبحث عن يسوع . ولذلك نرى الكتاب المقدس اشار إلى نقطة أخرى مهمة جدا ، وهي ان الكهنة المجوس الإيرانيين حضروا ولادة يسوع واعطوه هدايا كثيرة ، وكان رعاة للاغنام هناك ينامون ليلا وهذا يدل على شيئين . الأول : ان المنطقة كانت دافئة بعكس فلسطين التي كانت باردة مُثلجة في مثل هذا الفصل. والثاني وهو وجود المجوس على أرض العراق لكونها كانت محتلة من قبل الفرس ، وقد بارك ملك الفرس وعلماء المجوس هذه الولادة وقدموا الهدايا الكثيرة لمريم ووليدها وذلك لما يرونه من نبوءة بأن على يدي هذا الطفل سوف يزول حكم خصمهم القيصر.
هذه القرائن هي التي تأخذ باعناقنا للتصديق بمزاعم من يقول ان المقدسة مريم ذهبت للعراق . فلا مناص من ذلك ابدا خصوصا وان الإناجيل كلها اضطربت حول مكان ولادة يسوع.
نحن لا ننكر أن الرب أعطى للأنبياء كرامات كثيرة . منها انهم مشوا على الماء وطاروا في الهواء عيسى بن مريم سار على الماء . إيليا طار في الهواء . سليمان سخّر الرب له الريح . محمد حمله البراق وطار من مكة إلى القدس في ثواني .. كذلك مريم القديسة التي امتلكت مزايا لم تملكها امرأة قبلها الرب أعطاها ايضا من هذه الكرامات انها انتقلت إلى المكان الأكثر امنا لتضع وليدها يسوع وليس ذلك على الرب بعزيز. ان الكتب المقدسة تذكر ان من هو أدنى مرتبة من القديسة مريم قد جاء بالمعجزات وساروا على الماء وطاروا في الهواء فما يمنع ان تكون مريم ايضا اكراما لابنها المقدس يسوع قد منحها الرب كرامة ما .. الجميع يعلم ان الكتب المقدسة ليست كتب تفاصيل، وإنما كلام النبي هو المفسر لذلك، ووجدنا في ملاحق الكتاب المقدس ان مريم المقدسة كانت تطير مع الملائكة .. مريم التي خدمها أعظم ملك في الكون (( جبريل الأمين)) يصعب عليه حملها إلى هناك لتضع طفلها؟
هناك نصوص أخرى صحيح انها مشوشة ولكن بالرجوع إلى اصولها تتضح لربما بعض معالم الجريمة التي قام بها بعض اليهود وقسم كبير من المترجمين.
نص ميخا الذي يؤكد أن اسم بيت لحم هو (افراتة) يقول هذا النص (( الآن تتجيشين يا بنت الجيوش. قد أقام علينا مترسة. يضربون السبط بقضيب على خده. أما أنت يا بيت لحم افراتة، وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا، فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطا على إسرائيل، ومخارجه منذ القديم، مُنذ أيام الأزل)).(8) طبعا آباء المسيحية يزعمون أن هذا النص يتعلق بولادة يسوع في بيت لحم .. وهذا كذب واضح فاضح حيث ان هناك نصا آخر يُفسر لنا من هو الذي سوف يخرج من بيت لحم حيث يقول هذا النص : (( وداود هو ابن ذلك الأفراتي من بيت يهوذا الذي اسمه يسّي)). (9)
هنا يعترف الآباء بأنه حصل تلاعب من قبل المترجمين فيقولون : إنّ ناسخ إنجيل متى (2:6) يحذف عبارة أفراتة من نبؤة ميخا (5: 1) ويستبدلها بعبارة : أرض يهوذا . وهذه العبارة غير موجودة في النص الأصلي لميخا. هنا الناسخ لا يتورع عن قلب معنى نبؤة ميخا رأسا على عقب لتخدم اغراضا معينة .لقد افتعل نسّاخ متى ثلاثة تحويرات فاضحة في نبؤة ميخا التي تتالف من سطر واحد فقط، وحذفوا عبارة أساسية في النص العبري الاصلي، وهي عبارة أفراتة واستبدلوها بعبارة ارض يهوذا . وكذلك قاموا بترجمة مغلوطة جدا وهي ابعاد الإسم الحقيقي لهذا المقروع بالقضيب على خده فأبدلوا كلمة (سبط ) بكلمة قاضي وإن كان ذلك في عرفهم صحيح لأن اسباط إسرائيل هم القضاة ولكن لا يجوز اطلاقا التلاعب بالمعنى لإخفاء حقيقة مثيرة مفادها أن الأرض التي ولد عليها يسوع هي ارض تتجيش فيها الجيوش في افراته وهناك يقتلون السبط ويقرعون خده بالقضيب . ثم يخرج من هذه الأرض شخص يكون قاهرا لإسرائيل متسلطا عليها وهذا الشخص ليس طارئا بل ( ومخارجه منذ القديم ، مُنذ أيام الأزل). (10)
لقد تأثر يسوع جدا عندما سمع بمقتل حفيد نبي سيأتي بعده ، ولذلك طلب من الرب ان تعبر عنه كأس الموت لكي يبقى مواسيا لحفيد هذا المقتول ثم يأتي معه ليأخذ بثار المقتول من الامم التي وقفت تساند قاتله .
المصادر والتوضيحات ـــــــــــــــــــــ
1- علماء آثار غربيون يؤكدون أنّ بيت لحم التي يؤمها المسيحيون القريبة من أورشليم لم تكن موجودة أيام السيّد المسيح. السيّد المسيح ولد في بيت لحم التي تقع آنذاك، داخل اراضي فينيقيا- لبنان شرق شمال جبل كرمل (أرض كنعان) والتي تقع فيها قبور ورفات وعظام اجداد وآباء يسوع المسيح حيث قبور النبي عمران ابو مريم ومريم ويوسف. وتاريخياً كان الجليل الأعلى يتبع قضاء صور اللبناني . أما بيت لحم اليهودية التي يحجّ اليها المسيحيون فقد بنيت عام 339 ميلادية.
2- راجع النسخة الكاثوليكية الجديدة، دار المشرق، بيروت، طبعة 1989- تفسير سفر يشوع 15 : 19، الحاشية رقم 2، ص452، العمود الاول.
3- مؤلف الكتاب الدكتور النووي الأب يوسف يمين اللبناني.
4- وهذا ما يذهب إليه متى و لوقا في إنجيله 2: 7 ((فَوَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ وَقَمَّطَتْهُ وَأَضْجَعَتْهُ فِي الْمِذْوَدِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ فِي الْمَنْزِلِ)).فهما يؤكدان على ان يسوع ولد في فندق وليس مغارة.
5- يقول ميشال كسَنل الأستاذ في المعهد الكاثوليكي في باريس، في موضوع تحديد مكان ولادة المسيح: ((أما أين ولد يسوع المسيح؟ فعلماء اليوم يتردّدون محتارين بين بيت لحم اليهودية (المعروفة اليوم) وبين الجليل)). انظر (مجلة عالم الكتاب المقدس– البيبليا عدد 109 ، آذار- نيسان، 1998، ص 6). وفي هذا الموضوع بالذات، تقول المؤرخة وعالمة الآثارالايطالية ماريّا تيريزا بتروتزي : من المستحيل ان نعرف اليوم، بشكل دقيق ومحدد، اين ولد السيد المسيح! هل ولد فعلا في احدى المغاور الصغيرة في بيت لحم ام في مزود في زوايا احدى المضافات. إن مغاور بيت لحم – ومنها مغارة المهد الحالية – كانت تستعمل كمقابر للأهالي في القرون المسيحية الثلاثة الأولى. انظر كتاب بيت لحم، مطابع الفرنسيسكان، اورشليم، الترجمة الفرنسية، 1985، ص 83
6- سفر التثنية 22: 21 ((يُخْرِجُونَ الْفَتَاةَ إِلَى بَابِ بَيْتِ أَبِيهَا، وَيَرْجُمُهَا رِجَالُ مَدِينَتِهَا بِالْحِجَارَةِ حَتَّى تَمُوتَ)).
7- إنجيل متى 2: 16(( هيرودُس أرسل وقتل جميع الصبيان الذين في بيت لحم وتخومها ، من ابن سنتين فما دون )) .
8- سفر ميخا 5 : 2 .
9- في سفر صموئيل الأول 17: 12.
10- شارل بيرّو في كتابه أحداث طفولة يسوع، دفاتر الإنجيل، العدد 18، منشورات سَيرف، 1976، ص 31، العمود الأول، المقطع الأخي
Share on Facebook

عن قاهر النواصب

اضف رد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أصول الحديث عند الشيعة الإمامية

بسم الله الرحمن الرحيم تطبيق أندرويد أصول الحديث عند الشيعة الإمامية أعزهم ...